محمد بن جعفر الكتاني

105

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وكان كثير التعظيم لمولانا إدريس باني فاس رضي اللّه عنه ؛ قال في " تحفة الإخوان " : « سمعته يقول : واللّه ما مررت قط على مزارته إلا وأجد الشق الذي يلي قبره كأنه ميت ؛ من هيبته وجلالته » . وكان له - رضي اللّه عنه - أتباع ، وتلامذة وأشياع ، يحدثون عنه بكرامات ، وخوارق وعادات ، وكانت حرفتهم : الاشتغال بلا إله إلا اللّه . عليها كان اجتماعهم [ 101 ] ، وبها مبيتهم ومقيلهم . وكان هو - رحمه اللّه - كثير التواجد عند الذكر ، وإذا تواجد يظهر ذلك عليه ، ويسري حاله في جل أصحابه ، كل واحد على قدر محبته وذوقه . وكان يحضهم على الاتباع وترك الابتداع . وكان يجلس كل يوم بالمستودع الذي بين باب حفاة القرويين وباب الشهود الكبرى ، من صلاة الظهر إلى أن يصلي العصر ، ويجلس معه أصحابه ، فكان يجعل وجهه للسارية القبلية وظهره إليهم ، وكلهم مواجهون للقبلة ، وكل واحد منهم بسبحته ، لا يتكلم هذا مع هذا ولا هذا مع هذا ، وإنما عليهم السكينة والوقار ، حاطين أبصارهم إلى الأرض ، هذا دأبهم ، وهذه حالتهم . وكان يغلب عليه في بعض الأوقات حال الغنى باللّه ، فينطلق لسانه بالدعوى من غير احتشام ، فيدعي بحق عن حق في حق ، ويصرح لنفسه بالتصريف التام ، والتمكين في المقامات والأحوال . ولم يزل داعيا إلى اللّه ، لاهجا بذكره وثناه ، إلى أن توفي يوم الاثنين سابع ذي الحجة متم عام تسعة وأربعين ومائة وألف . قال في " تحفة الإخوان " : « ودفن من الغد بداره بأقصى درب مينة من حومة النجارين من فاس القرويين ، وقبره بها مشهور يتبرك به . نفعنا اللّه به آمين » . ه . وقال في " النشر " على ما في بعض نسخه : « دفن بدار برحاء اشتراها هو قرب موته بقصد أن يدفن فيها ، فدفنه بها أصحابه إمضاء لقصده ، بأقصى درب مينة من حومة النجارين من فاس القرويين ، ثم اشترى بعض قرابته بعد وفاته نائبا عن أصحابه دارا أخرى تجاورها ، وهي التي دفن بها سيدي القليز وزادها فيها أصحابه ، وبنوها زاوية ، وجعلوا عليها أوقافا تقام بها الأوقات ، وقراءة أحزاب القرآن ، ويدرس بها العلم في فصل الشتاء بين العشاءين ، ويؤذن بها صباحا . ولكل ذلك أوقاف ، ولها كتب محبسة ، وثريا ومصابيح ، وهي اليوم أعظم من جميع زوايا فاس » . انتهى . قلت : ولم تزل إلى الآن مزارة عظيمة ، وزاوية فخيمة ، يجتمع بها فقراء أشياخه السادة : أهل وازان ، نفعنا اللّه بهم ، وقد كبرت مساحتها الآن بسبب الزيادات الواقعة فيها ، وضريحه بها يدور عليه حوش من خشب ، وفوقه دربوز وكسوة ، وهو مشهور معروف متبرك به إلى الآن .